ابن كثير

138

البداية والنهاية

حنيفة وفاة ، وأكثرهم استعمالا للقياس ، وكان عابدا ، اشتغل بعلم الحديث ثم غلب عليه الفقه والقياس . ولد سنة ست عشرة ومائة ، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة عن ثنتين وأربعين سنة رحمه الله وإيانا . ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة استهلت هذه السنة وخليفة الناس أبو عبد الله محمد بن المنصور المهدي ، فبعث في أولها العباس بن محمد إلى بلاد الروم في جيش كثيف ، وركب معهم مشيعا لهم ، فساروا إليها فافتتحوا مدينة عظيمة للروم ، وغنموا غنائم كثيرة ورجعوا سالمين لم يفقد منهم أحد . وفيها توفي حميد بن قحطبة نائب خراسان ، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد ، وولى حمزة بن مالك سجستان ، وولى جبريل بن يحيى سمرقند . وفيها بنى المهدي الرصافة وخندقها . وفيها جهز جيشا كثيفا إلى بلاد الهند فوصلوا إليها في السنة الآتية ، وكان من أمرهم ما سنذكره . وفيها توفي نائب السند معبد بن الخليل فولى المهدي مكانه روح بن حاتم بمشورة وزيره أبي عبد الله ( 1 ) . وفيها أطلق المهدي من كان في السجون إلا من كان محبوسا على دم ، أو من سعى في الأرض فسادا ، أو من كان عنده حق لاحد . وكان في جملة من أخرج من المطبق يعقوب بن داود مولى بني سليم ، والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن ، وأمر بصيرروة حسن هذا إلى نصير الخادم ليحترز عليه . وكان الحسن قد عزم على الهرب من السجن قبل خروجه منه ، فلما خرج يعقوب بن داود ناصح الخليفة بما كان عزم عليه فنقله من السجن وأودعه عند نصير الخادم ليحتاط عليه ، وحظي يعقوب بن داود عند المهدي جدا حتى صار يدخل عليه في الليل بلا استئذان ، وجعله على أمور كثيرة ، وأطلق له مائة ألف درهم . وما زال عنده كذلك حتى تمكن المهدي من الحسن بن إبراهيم فسقطت منزلة يعقوب عنده . وقد عزل المهدي نوابا كثيرة عن البلاد وولى بدلهم . وفي هذه السنة تزوج المهدي بابنة عمه أم عبد الله بنت صالح بن علي ، وأعتق جاريته الخيزران وتزوجها أيضا ، وهي أم الرشيد . وفيها وقع حريق عظيم في السفن التي في دجلة بغداد . ولما ولي المهدي سأل عيسى بن موسى - وكان ولي العهد من بعده - أن يخلع نفسه من الامر فامتنع على المهدي ، وسأل المهدي أن يقيم بأرض الكوفة في ضيعة له فأذن له ، وكان قد استقر على إمرة الكوفة روح بن حاتم ، فكتب إلى المهدي : إن عيسى بن موسى لا يأتي الجمعة ولا الجماعة مع الناس إلا شهرين من السنة ، وإنه إذا جاء يدخل بدوابه إلى داخل باب المسجد فتروث دوابه حيث يصلى الناس . فكتب إليه المهدي أن يعمل خشبا على أفواه السكك حتى لا يصل الناس إلى المسجد إلا

--> ( 1 ) في الطبري وابن الأثير : أبي عبيد الله . وهو معاوية بن يسار فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب الديوان وقرر القواعد ، وكان أوحد الناس حذقا وعلما وخبرة . وكان كاتبه ونائبه قبل الخلافة ، غلب على أموره فأصبح الخليفة المهدي لا يعصي له قولا . وكان شديد التكبر والتجبر .